سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
238
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
أعرب ولو كلمة واحدة في خطبة مكتوبة في يده ، فترحمت على سيبويه وعلمت أن كتابه « البحر » هو الذي أغرق البصريين والكوفيين فغاص الإعراب معهم إلى القعر . هذا من حيث الإعراب وأما من حيث المعنى فإلى اللَّه المشتكى . « منبر الخطبة في المساجد الجامعة شيده المصطفى صلى الله عليه وآله ليرتفع منه صوت التعليم للمسلمين والإيقاظ وتحريك الهمة والحث على جمع الكلمة وما فيه سعادة الدارين يصير إلى ما صار إليه اليوم ، وعلى منابر البصرة والكوفة ارتقى مثل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وغيره من أكابر الصحابة والتابعين ، بحور البلاغة وفحول الفصاحة وحسن البيان ، يرتقي ذلك المنبر اليوم أجهل الأعراب والعجم ويخطب الناس وقد ركبوا بعضهم احتشاداً وغص بهم فناء الجامع على رحبه ، ولا تكون الخطبة إلا : « إن الورد اللطيف فتح من عره الشريف » وهكذا أكثر خطباء المنابر في الأمصار فلا حول ولا قوة إلا باللَّه » . « ومن العبث القيام لعمل قياس مع السلف الصالح ولو كان القياس مع الفارق فقط لهان الأمر وخف الشر ولكنه العكس التام . فإذا قلنا إن السلف كان لا ينقض عهداً ولا يخلف وعداً وأردنا أن نعلم ما نحن عليه من هذا القبيل ، فما علينا إلا أن نعكس الأمر فيكون نحن الخلف « لا نحفظ عهداً ولا نفي وعداً » وهكذا مضاؤهم في العمل وتسويفنا ، إيجازهم وتطويلنا ، صبرهم وجزعنا ، شجاعتهم وإقدامهم وجبننا وإحجامنا ، عزة نفسهم وإباءهم ذلنا واستكانتنا . . . وإلى ما هنالك من المحزنات « إنّ اللَّه لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم » [ الرعد : 11 ] ، « ذلك بأنّ اللَّه لم يك مغيّراً نعمة أنعمها على قوم حتّى يغيّروا بأنفسهم » [ الأنفال : 53 ] . « تلك آيات الكتاب الحكيم تهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم ، ولا يرتاب فيها إلا القوم الضالون . هل يخلف اللَّه وعده ووعيده وهو أصدق من وعد وأقدر من أوعد هل كذب اللَّه رسله ؟ هل ودع أنبياءه وقلاهم ؟ هل غش خلقه وسلك بهم طريق الضلال ؟ « نعوذ باللَّه » هل أنزل الآيات البينات لغواً وعبثاً ؟ هل افترت عليه رسله كذباً ؟ هل اختلفوا عليه إفكا ؟ هل خاطب اللَّه عبيده برموز لا يعلمونها وإشارات لايدركونها ؟ هل دعاهم إليه بما لا يعقلون ؟ « نستغفراللَّه » .